الإحسان إلى اليتيم

 

قال تعالى:{وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} 1

من وصايا هذه الآية المباركة الإحسان إلى اليتيم، وهو الذي مات أبوه في صغره قبل بلوغه
وقد برز الاهتمام الإلهيّ باليتيم في الآيات القرآنيّة الكثيرة الواردة فيه، إضافة إلى الأحاديث الشريفة، والتي يمكن أن نتعرّض لمضامينها في العناوين الآتية، التي تجمعها الوصية بالإحسان إلى اليتامى، وهي::
مسؤوليّاتنا تجاه الأيتام
عدم قهر اليتيم 
إنّ اليتم يجعل الولد الصغير دون سند الأب، ودعمه، وحمايته، ممّا يدعو بعض الناس إلى استضعافه، وإذلاله، ليصبح مغلوبًا في أمره، لذا قال الله تعالى مواجهًا هؤلاء: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾2، والقهر بحسب بيان الراغب الأصفهانيّ، هو الغلبة والتذليل معًا، وقد تستعمل في أحد هذين الأمرين.
وقد أعلن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه بنفسه سيكون الخصيم عن اليتيم، بقوله: "أنا خصيم يوم القيامة عن اليتيم والمعاهد، ومن أخاصمه أخصمه"3.
وعن الأثر الدنيويّ لظلم اليتيم، ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "ظلم اليتامى والأيامى ينزل النقم، ويسلب النعم"4.
المحافظة على مال اليتيم
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾5، ولا يخفى أنّ التعبير بـ ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ﴾ هو أقرب من النهي عن تناوله، فالنهي عن قربه أبلغ من النهي عن أخذه6.
وقد بيَّن القرآن الكريم أثر أكل مال اليتيم بغير حقّ بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾7.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يبعث ناس عن قبورهم يوم القيامة تأجّج أفواههم نارًا، فقيل له: يا رسول الله، من هؤلاء؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾8"9.
من هنا لما سئل الإمام الصادق عليه السلام عن الكبائر، قال عليه السلام: "وأكل مال اليتيم ظلمًا"10.
وفي القرآن الكريم ما يدلّ على العناية الإلهيّة بيتامى الصالحين في قصّة نبيّ الله موسى عليه السلام مع الخضر عليه السلام، حينما دخلا مدينة كان لأهلها موقف سلبيّ منهما، ومع ذلك فقد أصلح الخضر في تلك القرية جدارًا من دون أن يطلب من أهل المدينة أجرًا على ذلك، وحينما عاتبه موسى عليه السلام على ما فعل، على خلفية كون أهل المدينة لا يستحقون ذلك، أجابه الخضر: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾11.
وفي هذه الآية دلالة على الآتي:
1- العناية الإلهيّة الخاصّة بأموال أيتام الصالحين.
2- إنّ الله تعالى هو الذي يأمر بحفظ أموال اليتامى ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾12.
3- ينبغي عدم أخذ الأجرة مقابل الحفاظ على أموال اليتامى.
ى: ﴿

4- إنّ رعاية أموال اليتامى ينبغي أن تبقى حتى يبلغوا أشدّهم.
- تأمين المسكن لليتيم
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من آوى يتيمًا أو يتيمين ثمّ صبر واحتسب كنت أنا وهو في الجنّة كهاتين"13.
والأصل في الإيواء أن يعيش اليتيم مع أفراد إحدى الأسر حياة طبيعية، وتفيد بعض الدراسات إلى أنّ حياة اليتيم في ظلّ أسرته من أقربائه أفضل من إيوائه في ميتم مع أقرانه الأيتام.
- إعالة اليتيم
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من قبض يتيمًا من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه أدخله الله الجنّة البتّة، إلاّ أن يعمل ذنبًا لا يغفر له"14.
ويؤكِّد القرآن الكريم على أهميّة إطعام اليتيم القريب في نسبه، قال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ *  وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ *  فَكُّ رَقَبَةٍ *  أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ *  يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ *  أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾15.
الاهتمام العاطفيّ باليتيم
إنّ حرمان اليتيم من عطف أبيه استدعى اهتمامًا دينيًّا، بتعويضه بعضًا من ذلك العطف، عبر الاهتمام بإخراجه، وإسعاده، وإشباع الحاجة العاطفيّة لديه فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ في الجنّة دارًا، يقال لها: دار الفرح لا يدخلها إلاّ من فرَّح يتامى المؤمنين"16.
وفي وصيّة لقمان لولده: "يا بنيّ، كن لليتيم كالأب الرحيم"17.
وعن النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "والذي نفسي بيده، لا يلي مسلم يتيمًا فيحسن ولايته، ويضع يده على رأسه إلاّ رفعه الله عزّ وجل بكل شعرة درجة، وكتب له بكلّ شعرة حسنة، ومحا عنه بكلّ شعرة سيئة"18.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ادن اليتيم منك، وألطفه، وامسح برأسه، وأطعمه من طعامك، فإنّ ذلك ليليّن قلبك، وتدرك حاجتك"19.

وورد أنّ رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشكو قسوة قلبه، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: "أتحبّ أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك؟
"ارحم اليتيم، وامسح برأسه، وأطعمه من طعامك، يلن قلبك، وتدرك حاجتك"20.
كفاية اليتيم
وقد تُجمع العناوين المطلوبة السابقة بعنوان واحد، هو كفالة اليتيم، التي تعني القيام بأمور حياته21، وفي مرتبة هذا الكافل لليتيم ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة"22 وأشار بالمسبِّحة والوسطى.
اليتم الأشدّ
عن الإمام الصادق عليه السلام: "وأشدُّ من يتم هذا اليتيم يتم عن إمامه، لا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه"23.
إذًا إنّ الجاهل بالأحكام، غير المهتدي للإمام، هو أشدّ يتمًا ممّن فقد أباه النسبيّ، فكيف نتعامل معه؟
يكمل الإمام الصادق عليه السلام الحديث السابق بقوله: "ألا فمن كان من شيعتنا عالمًا بعلومنا، وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلّمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى، حدّثني بذلك أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "24.

* آية الوصايا العشر، الشيخ أكرم بركات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ سورة النساء، الآية 36
سورة الضحى، الآية 9

المتقي الهندي، كنز العمال، ج3، ص 1773ـ
4ـ الواسطي، علي، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق حسين الحسيني البيرجندي، ط1، دار الحديث، (لا،ت)، ص324.
5ـ سورة الأنعام، الآية 152
 6ـ الراغب الأصفهاني، الحسين، المفردات في غريب القرآن، ط2، (لا،م)، مكتب نشر الكتاب، 1404هـ، ص 399
7ـ سورة النساء، الآية 10
 8ـ المصدر السابق
9ـ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 72، ص 10
1ـ الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج2، ص 277.
 سورة الكهف، الآية 82 11ـ  
12ـ المصدر السابق

13ـ المتقي الهندي، كنز العمال، ج3، ص 17
14ـ المصدر السابق ج15ـــ ص178 

15ـ سورة البلد، الآيات 11-16    

16ـ المتقي الهندي، كنز العمال، ج3، ص 170
17ـ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج13، ص 428
18ـ المتقي الهندي، كنز العمال، ج 3، ص 175
19ـ المصدر السابق ص169

20ـ المصدر السابق

    21 ـ المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ط1، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد، 1417هـ، ج10، ص 89.
22ـ أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، (لا،ط)، بيروت، دار صادر، (لا،ت)، ج 5، ص 333.المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج35، ص117

 

المصدر:جمعية المعارف الإسلامية الثقافية