قَسْوَة ُالقَلْب في القرآن الكريم


يقول الله في الاية المباركة 74 من سورة البقرة:
«ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْد ذَلك فَهِيَ كالحِجَارَةِ أوْ أشَدُّ قُسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وإنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءَ وإنّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وما اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ».
الآية الشريفة جاءت في بني اسرائيل وضربت مثلًا جميلًا في قسوة قلوبهم؛ فان دفتر أعمالهم مسوَّد على طول التاريخ. وإن التعصب واللجاجة والتحجج والغرور والضغينة تجاه الانبياء والمقاومة قبال الحق من خصال هذا القوم العاصي والكافر لنعم الله.
لقد شاكس هذا القوم المسلمين ونافق ضدهم، فمن جانب كانوا يتعاهدون مع المسلمين ومن جانب اخر ينالون منهم بخنجر من الخلف. إنَّ عداء هذا القوم المعاند للمسلمين لم تنته ابداً ولا زال مشهوداً في عصرنا هذا، بل هو حالياً بلغ ذروته. ويمكن القول: إنَّ اكبر صفعة نالتها الامة الاسلامية كانت من بني اسرائيل ومن قسم خاص منهم معروف باسم (الصهاينة)؛ انهم في الدول الاسلامية منشأ الفساد والقتل والنزاعات والاختلافات والفحشاء واللامبالاة تجاه الاحكام الاسلامية والربا و .. إنَّ انتهاكاتهم ومظالمهم لو جمعت في مكان واحد لاصبحت كتاباً ضخماً بل كتباً. إنَّ قسوة قلوبهم بلغت درجة حيث لا يرحمون حتى انبيائهم فضلًا عن غيرهم، وقد حمل منهم نبيهم موسى عليه السلام الكثير.

قصة بقرة بني اسرائيل
الاية الشريفة جاءت بعد آيات حكت قصة بقرة بني اسرائيل؛ وخلاصة القصة محكية في الايات 67- 73 من سورة البقرة نأتي بها هنا:
قُتِل شخص من بني اسرائيل من دون ان يعرف القاتل، وهو أمر سبب اختلافاً بين القوم.
وعادة عندما يُقتل شخص يسعى البعض ان يرجعه إلى عملية تصفية الحسابات فيلقي القتل على عاتق اطراف خاصة. وقد كان اصل الحادث ان شخصاً قتل عمه الثري، وقد كان الشاب الوارث الوحيد لعمه وكان منزعجاً من جراء تأخر وفاة عمه فقتله لينال نصيبه من الارث في وقت مبكر. وقد عدَّ البعض حبّ الشاب لابنة عمه هو سبب القتل؛ وذلك لان العم رغم حبه لابن اخيه زوج ابنته من شخص آخر.
إنَّ بث خبر مقتل هذا الشخص اثار ضجة شديدة جعلت البعض ومنهم القاتل الحقيقي يبحثون عن القاتل، فكانت الفتنة العظيمة وكان الموقف يوشك على نزاع بين القبائل ليتبدل إلى حرب شاملة، فطلبوا من موسى ان يحل لهم المشكلة فكانت المساءلة التالية حسب ما دونها القرآن:
«وإذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَومهِ إنَّ الله يَأمُرُكُم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أتتَّخذُنا هُزُواً»؟ «قَالَ أعُوذُ باللهِ أن أكُون مِنَ الجَاهِلِينَ». أي أنَّ الاستهزاء من عمل الجاهلين، والانبياء مبرؤون من ذلك.
بعد أن ايقنوا جدية المسألة، «قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّك يُبَيِّنُ لَنَا مَا هِي»؟
أجابهم موسى عليه السلام: «قَالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلك»، أي لا كبيرة هرمة ولا صغيرة بل متوسطة بين الحالتين «فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ» لكن بني اسرائيل لم يكفوا عن لجاجتهم، «قَالُوا ادعُ لَنَا رَبَّك يُبَيِّنُ لَنَا مَا لَوْنُها» أجابهم موسى «قَالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقرَةٌ صَفْرَاءٌ فَاقِعٌ لَوْنُها تُسِرُّ النَاظِرِينَ» أي أنَّها حسنة ولا يشوبها لون آخر.
ثم لجوا مرة أخرى وعاودوا السؤال: «قَالُوا ادْعُ لَنَا ربَّك يُبَيِّنُ لَنَا مَا هِيَ إنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ لمُهْتَدُونَ».
أجابهم موسى «قَالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُول تُثِيرُ الأرضَ ولا تُسْقِى الحَرْثَ»، أي ليست

 

من النوع المذلل لحرث الارض وسقيها. وبعد المساعي الحثيثة وجدوا هذه البقرة وذبحوها ولمسوا الاعجاز الالهي.
الشرح والتفسير
المفروض بهذه الاية العظيمة ان تزيد من ايمان القوم إلا أنَّ ذلك لم يحصل، بل الآية الشريفة حكت حالهم بعد ذلك بالقول: «قَسَتْ فَهِيَ كالحِجَارَةِ أوْ أشدُّ قَسْوَةً» أي لم تزد هذه الاية الكبرى القوم الا لجاجة وقسوة وتمرداً وعصياناً وانتهاكاً لحرمات الانبياء و .. وذلك بسبب قسوة قلوبهم تحجّرها.
ان مفردة (قلب) استخدمت مائة وثلاثين مرة في القرآن، لكن يا ترى هل يراد من هذه المفردة ذلك العضو الصنوبري الذي يدق في الدقيقة اكثر من سبعين مرة في الجسم ليضخ دم الإنسان إلى جميع اجزاء جسمه مرتين في الدقيقة؟ إنَّ هذا العضو من عجائب خلق الله حقاً وله في الجسم وظائف مهمة، لكن مراد الله من القلب في القرآن ليس ذلك العضو.
نشير هنا باقتضاب إلى مهام هذا العضو وذلك لايضاح اهميته:
أولًا: تغذية جميع خلايا الجسم؛ إنَّ الاغذية التي تصل المعدة تمتزج مع ترشحات المعدة لتتهيّأ للذهاب إلى الأمعاء؛ وتتم عملية هضم وجذب الاغذية في الامعاء من خلال الدم، والأخير يوزعها على جميع خلايا الجسم وبذلك تتم عملية تغذية الجسم.
ثانيا: ارواء الإنسان؛ إنَّ الجزء الاكبر من جسم الإنسان عبارة عن الماء واذا ما قلت نسبة الماء في الجسم فانه قد يؤول ذلك الامر إلى الموت إذا ما بلغ مستوى الجفاف.
ثالثاً: ايصال الحرارة الموحدة للجسم؛ ان جسم الإنسان حار، لكن هل فكرتم من اين قدمت له هذه الحرارة؟ ان الاوكسجين يدخل الجهاز التنفسي ومن خلال هذا الجهاز يدخل الدم ليصل من خلاله إلى جميع خلايا الجسم، واثر الاحتراق الذي يوجده الاوكسجين عند تركبه مع اغذية الخلايا تتولد حرارة تنتقل هذه الحرارة بشكل ثابت إلى جميع اجزاء الجسم بواسطة الدم.
رابعاً: جمع المواد الزائدة والسمية ودفعها. ان احتراق الاغذية في الجسم يولد مواد سمية

وزائدة يطرح جسم الإنسان بعضها من خلال الزفير وبعضها الاخر من خلال الكلية والادرار، وهذه العمليات كلها تتم من خلال الدم.
حقاً ان القلب مع هذه الظرافة والعمل المتواصل آية إلهية عظمى، فلو كان هذا القلب من حديد لصدأ وتلف خلال سبعين سنة من عمر الإنسان الا ان قدرة الله اللامتناهية صنعت منه عضواً يعمل اكثر من مائة سنة في بعض الموارد. والمدهش هنا أنَّ القلب من الاعضاء التي تعمل ليل نهار وفي النوم واليقظة رغم أنَّ نشاطه عند النوم أقل.
ومن هنا نجد سر تعظيم المؤمنين وتمجيدهم مقولة الله تعالى: «وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أنْفُسِكُمْ أفَلَا تُبْصِرُونَ». «1»

لو لم يكن لدينا دليل على عظمة الخالق غير القلب لكان كافياً لادراك قدرته وحكمته السرمدية.
ولأجل استيعاب عظمة الخلق وادراك اكبر لهذه الهدية الالهية القيمة نقرأ الموضوع التالي:
القلب الصناعي مرآة لعظمة قلب الإنسان
كلّفت صناعة قلب صناعي قبل عدة سنوات ثلاثين مليون دولاراً، إلَّا أنَّ هذا القلب لم يدم عمله اكثر من ستة أيام، كما أنَّ المستفيد منه لم يكن قادراً على الحركة والمشي خلال هذه الفترة. كيف يمكننا شكر الخالق على نعمة القلب التي منحها اياناً مجاناً؟
ما أجمل ما قاله القرآن: «وَفِي أنْفُسِكُم أفَلَا تُبْصِرُونَ».
وبعد ما عرفنا أنَّ المراد من القلب في الاية ليس ذلك العضو الصنوبري نقول هنا: إنَّ المراد منه هو العقل والعاطفة. يقول الله في سورة الاعراف الاية 179: «وَلَهُم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا» فالمراد من القلب هنا هو العقل والعاطفة؛ لأن الفهم والادراك من شأن العقل، كما أنّ الإحساس والشعور والحب والمعرفة من شأن العاطفة والعقل، وكنموذج على ذلك يقول الله في الاية 10 من سورة البقرة: «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فزَادَهُم اللهُ مَرَضَاً».

 

هل إنَّ قلب المنافق الصنوبري يعطل من جراء مرض النفاق؟ أو أنَّ مرض النفاق يؤدي إلى اتساع في صمام القلب؟
من الواضح أنَّه لا يراد من القلب ذلك العضو الصنوبري، ولا يراد من المرض تلك الحالة الطبيعية التي تعرض للإنسان وأعضائه. إنّ القلب هنا هو العقل والعاطفة اللتان قد يضعفان بسبب مرض النفاق إلى مستوى يسمحان للانسان قتل الابرياء في حرم الامام الرضا عليه السلام، فهما في الحقيقة يموتان.
نقرأ في رواية أنّ للأمر بالمعروف ثلاث مراحل: الأمر بالقلب أولًا، وباللسان ثانياً، وبالعمل ثالثاً. فاذا كانت المرحلة الأخيرة غير ممكنة فتتوجب المرحلتان الاوليتان. وإذا استحالت المرحلة الثانية والثالثة فعلينا بالاولى أي علينا ان نكون متذمرين من الظالمين وسلوكهم وأن نكون محبين للمؤمنين والمصلحين. واذا ترك شخص الامر بالمعروف بمراحله الثلاث فقد صدق عليه الحديث التالي: «فمن لم يعرف بقلبه معروفاً ولم ينكر منكراً قُلبَ؛ فَجُعِلَ أعلاه اسفله». «1» وهل يراد من القلب هنا هو ذلك العضو الصنوبري؟ بالطبع لا، لان ذلك العضو لا يتحرك من مكانه ولا يتزلزل بل المراد منه هو العاطفة والادراك.
مما مضى نستنتج ان للقلب معينين في القرآن والروايات: 1- العقل الانساني 2- العواطف الانسانية. وهما ظاهرتان روحيتان يعدان مركزاً للادراك والشعور. ولهذا عندما يقال: (لهم قلوب لكن لا يفقهون) فان المراد كونهم يملكون القلب لكن ملكة الادراك عندهم معطلة وإذا قيل (قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) فإنَّ المراد أنَّ عواطفهم ميتة.
القلب الذي في الاية 46 من سورة الحج «فإنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ» قد يعني ذلك العضو الصنوبري بقرينة (في الصدور)، لكن هل الواقع كذلك؟
رغم أنَّ العقل ليس في صدر الإنسان، إلّا أنَّ له ارتباطاً بالدماغ ولذلك نرى البعض قد تعطل دماغه لكنَّ قلبه لا زال يعمل. وعلى هذا فالصدر الذي في الاية ليس ذلك الجزء من البدن المكسو بالقفص بل المراد منه الروح. وعليه فالقلب هنا يعني العقل والإدراك، فمفهوم

الآية هو (العقول التي في الأرواح).
وهناك إحتمال آخر وهو: رغم أنّ هذا العضو الصنوبري ليس مركزاً للعواطف والعقل، إلّا أنَّ الأمر لا يخلو عن علاقة بينهما؛ وذلك لان هناك علاقة مباشرة بين القلب والروح أو العقل والعاطفة فان القلب يتأثر مباشرة وأولًا في أي ظاهرة تطرأ على الإنسان، فاذا واجه الإنسان موقفاً مفرحاً ازدادت ضربات قلبه وسرعت؛ وإذا واجه موقفاً مؤلماً شعر في قلبه التعب والثقل، وكذا الامر في كل الحوادث والقضايا الروحية. إنَّ العلاقة بين القضايا الروحية والقلب هي كالعلاقة بين الماء والعين وسطح الارض. إنَّ الماء يعلو من الطبقات التحتية للارض ثم ينبع من نقطة خاصة من الارض والظواهر الروحية مثل ذلك، فإنها تنبع من القلب. ومن خلال التفاسير الماضية يمكننا معرفة الكلام الالهي في الاية الكريمة «قَسَتْ قُلُوبُهُمْ».
تصوير القرآن لقلوب بني إسرائيل
لقد وصف القرآن قلوب بني اسرائيل في الاية 74 من سورة البقرة بانها كالحجارة أو اشد قسوة: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُهُم مِنْ بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحِجَارةِ أو أشدّ قَسْوَةً» وقد اختلف المفسرون في تفسير «فَهِيَ كالحِجَارَةِ» وفي «أو أشَدَّ قَسْوَةً».
بما أنَّ الآية نزلت في المنافقين وبما أنَّ للنفاق درجات ومراتب فإنَّ صفة كالحجارة ترجع إلى طائفة خاصة من المنافقين، وأمّا «أو أشَدُّ قَسْوَةً» فترجع إلى طائفة أخرى أسوء حالًا من السابقة.
لكن كيف يمكن للقلب أنْ يَكُون أشدَّ قسوةً من الحجارة؟
إنَّ القُرآن يعدّ ثلاث بركات من بركات الحجارة:
الأُولى: بعض الاحجار في الجبال تتفجر لينبع منها الماء والأنهار وبجريانه تُروى المزارع والنباتات والحيوانات. نعم، ان للحجارة بركة التفجر لينبع الماء، وهي بركة عظيمة إلّا أنَّ قلوب بني اسرائيل لا ينبع منها الفضيلة ولا العلم ولا الحكمة كما انها ليست مراكز للعواطف والحب والحنان؛ إنَّ قُلُوبهم أشدّ قَسوة من الحجارة حقاً.
الثانية: إنَّ من الاحجار تتشقق لتضم في شقوقها مقداراً من الماء. ورغم أنَّ هذا الماء لا يروي المزارع والحيوانات، إلّا أنه قد ينقذ حياة سائرٍ عطشان. أمّا قلوب بني اسرائيل فهي لا

 

تضم حتى ذلك المقدار القليل من المحبة والحنان.
الثالثة: بعض الاحجار تهبط وتسقط خشية من الله وخضوعاً امام قدرته واستطاعته العظمى كما تؤكد ذلك الآية 21 من سورة الحشر «لَوْ أنْزَلْنَا هذا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأيْتَه خاشِعاً مُتَصَدّعاً مِن خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُها للنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفكَرُونَ».
تسبيح الموجودات جميعاً
إن خضوع وخشوع الاحجار والجبال امام قدرة الله وعظمته وتسبيحها عموماً أمر يمكن استظهاره من الايات العديدة للقران، والاية 44 من سورة الاسراء نموذج على ذلك: «وَإنْ مِنْ شَي‌ءٍ إلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِه وَلَكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيْحَهُم ...» «1»
وقد اعتبر بعض المفسرين الجمادات حية ومنحها حياة ذات نوع خاص من الشعور والاحساس الذاتي يختلف عن الشعور الإنساني، فشعورها مثل تسبيحها الذي لا يُفقه «لا يَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم» حيث نجد مقابل الحمد والخشوع والخضوع امام الله القادر الذي يشهد من الموجودات وبخاصة الاحجار قلوباً قاسية لا تسبّح ولا تذكر الله ولا تخضع أمامه.
القسوة
للانسان قوتان قوة العقل والفكر وقوة العاطفة الإنسانية، الجهاز الذي يستطيع الإنسان من خلاله فهم الحقائق يقال له عقل، وكل ما يدركه الإنسان ويفهمه يتم من خلال عقله.
أمّا العاطفة فهي القوة التي يتمكن الإنسان من خلالها ادراك القضايا الاخلاقية مثل الحب والبغض، فنحن مثلًا نتأثر من جراء سماعنا للمجازر الجماعية التي ترتكب من قبل اناس فقدوا العاطفة في الدولة المسلمة (الجزائر). أو نتأثر بالاوضاع المتأزمة لافغانستان الذي ابتلي بحب وبغض بعض الزعماء الانانيين.

إنّ هذه الاحاسيس تتعلق بقوة العاطفة الإنسانية، والشعوب الانسانية حية ما دامت عواطفها حية، وفي الحقيقة ان موت هذه العواطف يعني موت المجتمعات البشرية.
تباً للإنسان في اليوم الذي تموت فيه عواطفه حباً للدنيا؛ فإنّه يصبح انذاك انساناً خطراً اخطر من الحيوان المفترس والوحشي!
من الذي صنع القنابل الكيمياوية؟ العلماء الذين فقدوا عواطفهم حباً للدنيا، اولئك الذين اشتروا العواطف الانسانية بالدولارات وغضوا اطرافهم عن الذين قتلوا في حلبجة! من هم الذين قصفوا مدينتي هيروشيما وناكازاكي وقتلوا فيهما مئات الالاف بالقنابل النووية في لحظة. «1»
انهم العلماء الذين ماتت عندهم العواطف والذين لم يأثروا من الإنسانية شيئاً، والذين يرون اللذة في تدمير الاخرين! من هم الذين زرعوا اكثر من عشرين مليون لغم من النوع المضاد للافراد على سطح الكرة الارضية؟ هم اولئك الذين اتسموا بصفات حيوانية ولم يأثروا من الانسانية الا اسمها وما كان لهم نصيب من العواطف الإنسانية.
إنَّ العالم قرر منع تصنيع هذا النوع من اللغم؛ وذلك لاجل كونها غير اخلاقية وذات ابعاد غير انسانية؛ إلا أن الدولة العطوفة والمهتمة بحقوق البشر، أي امريكا، خالفت ذلك، كما خالفت مشروع حضر تصنيع اسلحة الدمار الشامل رغم تظاهرها بالدفاع عن حقوق البشر وتزعمها لمنظمات انسانية تهتم بهذه المجالات. هذا كله بسبب الضغوط التي تمارسها اسرائيل والصهاينة المنافقين على أمريكا، وهي تستخدم هذه المنظمات والآليات الاعلامية دائماً لاجل تدمير الأعداء، وكأنّ رعاية حقوق البشر أمر ينبغي ان يحصل في الدول المناهضة لامريكا فحسب دون الصديقة لها.

العلم والعاطفة وجه تمايز الإنسان عن الحيوان
اختلاف الإنسان عن الحيوان في أنَّ الاول يتمتع ب
ولا شأن للناس هناك حتى لو سمعوا بشخص يوشك ان يموت من الجوع والعطش.
لقد ورد في الأخبار أنَّ شخصاً نفد وقود سيارته في طريق مزدحم وفي يوم بارد جداً، فأخذ بوعاء البنزين يؤشر للسيارات المارة طلباً للوقود، إلَّا أنَّه لم يجد عوناً رغم انتظاره مدة احدى عشرة ساعة هناك، وما كانت النتيجة الا موته في الطريق. في الحقيقة ان موت العواطف في هكذا مجتمعات ادى إلى موت هذا الشخص.
ولاجل هذه الشواهد نعتقد أنَّ الغرب لا قدرة له على استيعاب المفاهيم الاسلامية الرفيعة، مثل الشهادة والجهاد والايثار واعانة المحتاجين وغيرها، وحتى دفاعهم عن حقوق البشر لا يكشف عن عواطفهم، بل انها وسيلة لتدمير وتسقيط أعدائهم. فاذا قُتل اسرائيلي مثلًا على يد فلسطيني في عملية استشهادية ارتفعت اصوات مدوية لهذه الموجودات الفاقدة للعواطف؛ وذلك دفاعاً عن حقوق البشر، إلَّا أنه عند مقتل النساء والرجال والاطفال والشباب في الجزائر وتقطّع أبدانهم إرباً إرباً لا تثار حفيضة هؤلاء المنافقين المترائين، وكأنه لم يحدث شي‌ء ابداً.
الدين أو المذهب يقويان العاطفة
الدين أو المذهب هو اهم عامل يقوي العاطفة الانسانية؛ وذلك لأن الدين عُرّف في الروايات (بالحب والبغض) أي محبة المسلمين وبغض الكافرين.
جاء في رواية عن الصادق عليه السلام يسأله فضيل بن يسار عن الحب والبغض، أمن الايمان هو؟
فقال: «وهل الايمان الا الحب والبغض»؟! «2» ونقرأ في رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه و آله قبّل
الحسن والحسين عليهما السلام فقال الاقرع بن حابس: إنَّ لي عشرة من الاولاد ما قبلت واحداً منهم.
فقال: «ما علي ان نزع الله الرحمة منك». «1»
القلب الذي يخلو من الحب ليس قلباً بل قطعة من الحجر، وليس اهلًا لاستقبال نعم الجنة، بل اهل لعقوبة جهنم.
ببركة دين الإسلام وببركة تمتع شعبنا المؤمن بالعواطف الإنسانية النبيلة نرى تسارع الإيرانيين للخيرات ونصبهم للخيم لاجل جمع الاعانات في الشوارع والاحياء بمجرد حصول حادثة أو كارثة تستدعي المساعدة والاعانة ..
ياله من منظر رائع وجميل للعواطف الانسانية.
عوامل القسوة في القرآن
يشير الله من خلال الايات التالية إلى عوامل القسوة وأسبابها.
الأول: يقول في الاية 13 من سورة المائدة: «فَبِمَا نَقْضِهِم مِيْثَاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعلنَا قُلوبَهُمْ قَاسِيَةً».
القرآن هنا يعتبر (نقض الميثاق) من عوامل قسوة القلب، نقض الميثاق مع الله ومع الرسول صلى الله عليه و آله ومع الفطرة الانسانية ومع البشرية. نعم إنّ بني اسرائيل لم يحترموا أيّاً من المواثيق وكأنّهم- لأجل الدعامة العسكرية القوية التي كانوا يتمتعون بها- لم يبرموا ميثاقاً إلّا مع مصالحهم الدنيوية ولم يفوا بميثاق إلّا به.
الثاني: يقول الله في الآية 16 من سورة الحديد:
«ألَمْ يَأن للّذِينَ آمنوا أنْ تَخْشَعَ قُلوبُهُم لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَّلَ مِنَ الحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالذِّيِن أُوتُوا الكِتَاب مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيْرٌ مِنْهُم فَاسِقُونَ».
إنَّ الآية الشريفة توقظ في البداية الغافلين بكلام حق.
يا انسان متى تصدق الموت وانت ترى موت اعزتك وأقاربك؟!

إلى متى تستمر في تعلقك بالدنيا رغم ما ترى منها من الفناء وعدم الوفاء.
ثم تحذّر المؤمنين خوف ان يصبحوا مثل بني اسرائيل الذين قست قلوبهم بعد ما طالت اعمارهم، وتأخرت بعثة الرسول اللاحق، ونسيانهم تدريجاً لتعاليم نبيهم، وعدم نزول العذاب الإلهي عليهم، فكانت الغفلة التي لحقتها قسوة القلوب وكثرة الذنوب.
يمكننا معرفة السبب الثاني لقسوة القلب من خلال هذه الآية وهو (الابتعاد عن تعاليم الأنبياء والأولياء والأديان الإلهية).
ومن خلال هذه العوامل التي بينها القرآن يتضح لنا أن بعضاً من العذاب الالهي في الحياة الدنيا هو نوع من ألطافه تعالى؛ وذلك لأنَّه يؤدي إلى التوبة والابتعاد عن الذنوب والرجوع إلى الله، وهو في الحقيقة الحائل دون الابتلاء بقسوة القلب. «1»
إخوتي وأخواتي الأعزاء! اتصلوا بالشباب والأشبال من خلال المجالس الدينية واذهبوا بهم إلى هكذا مجالس لتعريفهم بالتعاليم الدينية الاسلامية لكي لا يبتعدوا عنها فيبتلوا بقسوة القلوب وترحل عنهم العواطف الإنسانية.
القسوة في الروايات الاسلامية
اشارت روايات المعصومين عليهم السلام إلى عوامل عديدة يمكنها ان تؤدي إلى قسوة القلب نشير إلى بعض منها هنا:
الاول: يقول الامام علي عليه السلام: «ما جفَّت الدموع الا لقسوة القلوب وما قست القلوب الا بكثرة الذنوب». «2»
إذا شاهدنا إنساناً لم يتأثر بالمصائب الدنيوية ولا يبكي ولا يشتاق للعبادة والمناجاة، أو يفتقد العواطف والترحم على أبناء جنسه ولا يفكر الا بنفسه وضمان مصالحه، ولا يقلقه ما يصيب الآخرين، فتلك جميعها بسبب كثرة الذنوب وتراكمها.

في إحدى رحلاتي إلى بيت الله الحرام كنت جالساً في المسجد الحرام، جاءني شاب وقال لي: إنّي احج الصرورة ولم اسبق بالمجئ إلى هذا المكان المقدس رغم ذلك لا اشعر بالمعنوية ولا بالحيوية في هذا المجال، فلم اشتق للمناجاة والبكاء والتضرع؟ فكان يريد معرفة سبب ذلك.
اجبته يبدو أنَّك ارتكبت ذنوباً كثيرة في حياتك؟ عليك اولًا طلب المغفرة من الله على تلك الذنوب، ثم اشتغل بالزيارة والعبادة والمناجاة.
الثاني: طول الامل هو من العوامل الاخرى لقسوة القلب.
جاء في احدى الروايات أنَّ الله قال لموسى عليه السلام: «لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك والقاس القلب مني بعيد». «1»
الثالث: حب الدنيا والغرق في الطلبات المادية.
ان هذه الأمور من شأنها ان لا تترك مجالًا لنمو وبروز العواطف الانسانية ولا لتقرب الإنسان لله؛ وذلك لان اكبر هدف للانسان العطوف هو الوصال بالحق. وعلى هذا فحب الدنيا والابتعاد عن الله هو ثالث عامل لقسوة القلب.
يقول الرسول صلى الله عليه و آله: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فان كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسو القلب». «2»
فالرسول صلى الله عليه و آله هنا يصرح بان كثرة الكلام بالاشاعة والكذب والاتهام والمزاح الخارج عن حده والتدخل بما لا يعني الشخص وغيرها من مظاهر كثرة الكلام هي اسباب لقسوة القلب.
الرابع: هناك رواية أخرى عن الرسول صلى الله عليه و آله يقول فيها: «ثلاث يُقِسْنَ القلب استماع اللهو وطلب الصيد واتيان باب السلطان». «3»
إنَّ الاصغاء إلى الموسيقى حرام ويؤدي إلى قسوة القلب وينبغي هنا أنْ نكون نبهين دون الوقوع في مصيدة الشيطان بتبريرات من قبيل: إنّ الموسيقى تنشطنا روحياً، وأنَّ الموسيقى

ليست للنزهة فقط، أو أنَّ الموسيقى المحلية والتقليدية جائزة وما شابه ذلك.
الصيد إذا كان طلباً للمعيشة فلا اشكال فيه، أمّا إذا كان لاجل التسلية والترفيه فهو حرام في الإسلام، وعلى الصيّاد حينئذٍ التمام في الصلاة دون القصر؛ وذلك لان سفره معصية. أكثر الملوك والحكام كانت لهم اماكن خاصة يصطادون فيها للتسلية والترفيه. كيف يمكن ان يكون سلب روح حيوان ما سبباً للتسلية والترفيه؟!
إنَّ الحكام أشخاص قساة القلب، كما أنَّهُم ظلمة وهم مستعدون لارتكاب ابشع الجرائم لاجل حفظ كراسيهم ومواقعهم القيادية، وقد يستعد الحاكم لقتل أبيه أو اخيه لديمومة عرشه، كما فعل المأمون بالأمين العباسيين، فقد قتل الأول الثاني، رغم انه كان أخاه. وفي الفترة الاخيرة قتل احد الملوك العرب اباه ليحكم بذلك موقعه القيادي.
ان الاشخاص الذين يرتبطون بهذه الطبقة من الناس تقسو قلوبهم ويبتعدون عن الله لما يرون من زخارف الدنيا التي تجذبهم إليها.
نسأل الله ان يمنحنا قلباً عطوفاً، قلباً ينضح من حبه، ويجري دموع العين من ذكره.
الخامس: يقول الامام علي عليه السلام: «كثرة المال مفسدة للدين ومقاساة للقلب». «1»
مما لاشك فيه أنَّ المال وسيلة جيدة لبلوغ المقامات المعنوية العليا ولعمل الخير، وقد يكون هذا هو مغزى مقولة القرآن في الآية 180 من سورة البقرة «... انْ تَرَك خَيْراً الوَصِيَّةَ» فقد فسّر المفسرون (خيراً) هنا بالمال والثروة. لكن الذين يحسنون الافادة من المال هم العدة القليلة بل نادراً ما يحصل ذلك. «2»
إنَّ اكثر المتمولين لا ينفقون اموالهم في مجالات الخير وهذا يعني أنَّ كثرة اموالهم سبب لابتعادهم عن الله، الامر الذي يؤدي إلى قسوة القلب.
السادس: يقول الامام الصادق عليه السلام في احدى الروايات المنقولة عنه: «أنهاكم أنْ تطرحوا

التراب على ذوي الارحام فإنّ ذلك يورث القسوة ومن قسي قلبه بَعُدَ من ربّه عزوجل». «1»
لقد وضع الإسلام منهجاً لجميع شؤون الإنسان حتى في القضايا التي تبدو قليلة الاهمية، فعند استقبال الضيف مثلًا يأمر الإسلام إعانة المضيف للضيف في حمل امتعته لادخالها في البيت، إلَّا أنَّه عند التوديع يأمر بعدم اعانة الضيف على اخراج امتعته؛ وذلك لأن هذا يعني رغبة صاحب البيت في التخلص من الضيف وهذا يؤدي إلى قسوة في القلب.
وفي هذا الحديث اشارة أخرى لاحد القوانين الدقيقة التي تصب في هذا المجال، فبما أنَّ ذوي الارحام يحملون العواطف الوافرة تجاه احدهم الاخر فان طرح التراب ونثره على موتاهم يحد من العواطف ويجلب للناس قسوة في القلب وابتعاداً عن الله.
السابع: يقول الامام علي عليه السلام: «النظر إلى البخيل يقسي القلب» «2» إنَّ الشخص إذا نظر إلى البخيل تذكّر بخله، وتذكُّر البخل يتداعى معه تذكُّر القساوة، وتذكُّر القساوة يؤثر تدريجياً على الإنسان...

المصدر:أمثال القرآن