البَداءُ وثمرة الإعتقادُ به

 

 

موضوع البداء من المواضيع العقائدية في الإسلام و مما امتازت به المدرسة الشيعية في إطروحاتها العقائدية ونظرتها الكونية المنبثقة عما تعتقده من قيم دينية وعبادية في هذا المجال, وموضوع البداء موضوع مهم, قد اختلف فيه المسلمون وتباينت آرائهم واختلفت نظراتهم وتعليلاتهم , فهم بين آخذ به ومعتقـد بصحته, وبين من يشكل عليه ويعتقد أن البداء طرح يستنقص من الفهم العقائدي لعلم الله سبحانه وتعالى ودرايته, وهذا الموضوع الشائك والمضطربة فيه الآراء, المختلفة فيه التصورات, نحاول أن نبيّن و نصوّر فيه الصحة, وأنه ليس مما يخل في المستوى الديني, أو النظرة الدينية إلى علم المولى جلّ وعلى العالمُ بما كان قبل أن يكون, والمطلّع على خفايا الأمور, وأسرار القلوب, وإن البداء ليس كما يتصوّره الآخرون أنه شيء كان خافياً على الله ثم بدا له, وإنما هو شيء قد أخفاه الله ثم أظهره, إذ أن البداء في مصطلح علماء العقائد الإسلامية: بدا للّه في أمر بداء, أي: ظهر له في ذلك الأمر ما كان خافياً على العباد.
وقد ذكر علماء اللغة وغيرهم بأنّ البداء هو الظهور، وأنّ هذا المعنى يستلزم مسبوقية العلم بالجهل، ومن هنا اعترضوا على الشيعة قولهم بالبداء بدعوى أنّ البداء، لا يأتي إلا بهذا المعنى، واتهموا الشيعة على أساس هذا الادعاء بأنهم ينسبون الجهل إلى الله تبارك وتعالى. إلا أنّ الشيعة لم ينفردوا باستعمال مصطلح البداء، ومن ثم نسبة البداء إلى الله عز وجل، فقد سبقهم إلى ذلك سيد البشرية الرسول الأعظم”ص”، وتبعه أهل بيته”ع” في ذلك، وقد نسبوا البداء بمعناه الصحيح إلى الله عزّ وجلّ الآتي بيانه.

والروايات الواردة عن مدرسة أهل البيت “ع” في ذلك كثيرة, منها ماجاء فـي الـبحار, عن أبي عبد اللّه الصادق “ع” قال: ما بعث اللّه عز وجل نبيا حتى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار بالعبودية, وخلع الأنداد, وإن اللّه يقدم ما يشاء و يؤخر ما يشاء.

وفي رواية أخرى أخبر الإمام الصادق “ع” عن زمان المحو والإثبات فقال: إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون مايكون من قضاء اللّه تعالى في تلك السنة, فـإذا أراد اللّه أن يـقدم شيئاً أو يؤخره أو ينقص شيئا أمر الملك أن يمحو ما يشاء ثم أثبت الذي أراد.

و عن الامام الرضا “ع” أنه قال: ما بعث نبياً قط إلا بتحريم الخمر, و أن يقر له بالبداء.

ومهما كان الحال, فلفظ البداء يتحمل المعنيين التاليين:

الأول, الظهور والإبانة، ومنه قوله تعالى :  وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ  وقوله :  وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا.

الثاني تغير الإرادة وتبدل العزيمة, تبعاً لتغيّر العلم وتجدده, وهو بهذا المعنى لا يجوز بالنسبة إليه تعالى, ولا يقول به أحد من الإمامية كما ذكرنا.

والمعنى الأول هو الذي يقصده الشيعة من البداء, والذي نصت عليه بعض المرويات عن الأئمة”ع”.
قال الشيخ المفيد في الاعتقادات: والأصل في البداء هو الظهور، قال تعالى في سورة الزمر: وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ أي ظهر لهم من أفعال الله ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم، وقال في السورة المذكورة: وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم أي ظهر لهم جزاء كسبهم وبان لهم.

وأضاف إلى ذلك أن العرب تقول: قد بدا لفلان عمل حسن، وكلام فصيح، كما يقولون بدا من فلان، فتكون اللام بمعنى من وقائمة مقامها، والمعنى في قول الإمامية, بدا لله كذا أي ظهر له فيه، وبتقدير أن اللام بمعنى من، يكون المراد من هذه الكلمة, ظهر منه.
والحاصل من ذلك أن البداء الذي نقول به هو بمعنى الظهور والإبانة، ونسبته إلى الله فيما لو قلنا بدا لله كذا أي ظهر من الله ما كان خافيا على جميع مخلوقاته ولم يكن في حسابهم.

أما ثمرة الاعتقاد بالبداء, فلو اعتقد الإنسان أن من الناس من يكتب في السعداء فلن يتبدل حاله و لن يكتب في الأشقياء, و منهم من كـتب في الأشقياء ولن يتبدل حاله و لن يكتب في السعداء, و جف القلم بما جرى لكل إنسان, عندئذ لا يـتـوب العاصي من معصيته, بل يستمر في ما هوعليه, لاعتقاده بأن الشقاء قد كتب عليه و لن يتغير حـالـه, و مـن الجائز أن يوسوس الشيطان إلى العبد المنيب أنه من السـعــداء و لن يكتـب في الأشقياء و تـؤدي به الوسوسة إلى التساهـل في الطاعــة والعبادة, وكذا فإن عدم استيعاب بعض المسلمين معاني الآيات و الروايات المذكورة في المشيئة, أدى إلى اعتقاد بعضهم بأن الانسان مجبور على مايصدر منه, كما اعتقد آخرون على ان الأمر كله مفوض للإنسان, كما ذهبت إليه بعض الفرق الإسلامية.

زهراء المیالی – العراق

المصادر :

  • موقع أهل البيت (ع).
  • موقع شيعة ويب .
  • موقع القرآن .
  • موقع الهادي .