بركة القرآن الكريم

 

قال تعالى:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} ) الأنعام ( 92)
البركة في اللغة: قال محمد بن أبي بكر الرازي (ت 721 هـ) في مختار الصحاح:  (برك * البعير من باب دخل أي استناخ .... و * البركة * كالحوض والجمع * البرك * قيل سميت بذلك لإقامة الماء فيها وكل شيء ثبت وأقام فقد * برك * و * البركة * النماء والزيادة و * التبريك * الدعاء بالبركة) (1).
قال الجوهري في الصحاح :
والبَرَكَةُ: (النماءُ والزيادةُ. والتَبْريكُ: الدعاءُ بالبَرَكَةِ. ..... ويقال: بارَكَ الله لك وفيك وعليك، وبارَككَ) (2).
وقيل في أصل إطلاق هذه اللفظة ان العرب كانت تسمي محط رحال الجمال برك الجمال أو مبرك  الجمال هذا المكان والذي يكون منخفضا بعض الشيء عن سطح الأرض، لذا تتجمع فيه المياه وبكثرة عند سقوط الأمطار وعليه يظهر الزرع والأعشاب وتكون هذه الخضرة مستمرة لوجود الماء.
بركة القرآن الكريم
بما أن البركة تطلق على كل شيء لا ينضب بل يتجدد ويستمر في العطاء فكذلك القران؛ إذ هو عطاء دائم، ونبع مستمر من الخيرات الإلهية الكثيرة.
قال تعالى: (هذا ذكر مبارك أنزلناه) الأنبياء:50.
وقال تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك) الأنعام:155.
فالبركة التي في القرآن الكريم بركة لا تنتهي، فكل يوم عطاءه جديد و عجائبه لا تنقضي، ويقرأه إنسان فيفهم منه معنى، ويقرأه آخر فيفهم منه معنى جديداً . فكل كتاب له زمن محدود وعصر محدود وأمة محدودة، أما القرآن فهو يواجه من يوم أن أنزله الله إلى أن تقوم الساعة قضايا متجددة يضع لها حلولاً .
و هذا الكتاب مبارك في أصله فهو كتاب تنزل من عند الله تبارك وتعالى.
قال تعالى: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) النمل: 6 .
وقال تعالى: (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) هود: 1.
وقال تعالى: (وقد آتيناك من لدنا ذكرا) طه: 99.
مبارك في محله فهو قلب نبي الرحمة محمد الطاهر الكريم الذي أختاره الله ليكون أهلا ليتنزل عليه.
قال تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك) الأنعام: 155.
ومبارك في زمان نزوله.
قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) الدخان: 3.
ومبارك في حجمه ومحتواه فرغم قلة صفحاته فهو يحتوي من المعاني و المدلولات والإيحاءات والتوجيهات في كل فقرة منه ما لا تحتويه عشرات من كتب ضخمة؛ إذ أن الآية الواحدة تؤدي من المعاني ما لا نظير له في كلام البشر.
و القرآن نور ينير الروح والقلب، فببركة القرآن تُزال الكثير من الظلمات والمبهمات من قلب وروح الإنسان، وببركة القرآن يخرج الإنسان من ظلمات الأخطاء والأوهام والزلاّت إلى نور الهداية.
جاء في الذكر الحكيم: (الله وليّ الذين آمنوا يُخرجُهُم من الظلمات إلى النور) البقرة:257.
إن القرآن كتاب معرفة، فيوضح لنا كثير من أمور الحياة والمستقبل، وفي مجال التكليف الشرعي، وفي الهدف من الخلق، وكثير من المجالات الاخرى، فالانسان مشحون بانواع الجهل، والقرآن يكسبه المعرفة.
إذن القرآن كتاب نور ومعرفة ونجاة وسلامة ورقي وسمو وتقرب إلى الله.
تدبر القرآن الكريم
تلاوته بركة وأجر وعبادة، وتدبُّر القرآن طاعة واستجابة.
(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) النساء: 82.
والعمل بالقرآن هدى ورشاد وحصانة من الضلال.
لكن متى نكتسب هذهِ الأمور من القرآن؟
وهل يكفي ان نضع القرآن في جيوبنا و العبور من تحت القرآن عند السفر ؟
وهل تكفي المشاركة في جلسات القرآن فقط؟ أو هل يكفي أن نرتل القرآن أو نستمع إلى ترتيله بصوت حسن ونلتذّ به؟
لاشك في عدم كفاية ذلك ـ رغم كونها أمور محبوبة ـ  بل هناك حاجة الى شيء آخر، يساهم في الوصول الى ما ذكر وهو التدبّر في القرآن ومحاولة فهمه والوقوف على معانيه بمعونة الروايات الشريفة والعترة المطهرة.
فلو تصورنا ان القرآن الكريم عمارة واسعة وعظيمة ذات غرف وطوابق مختلفة، ولهذهِ العمارة باب ومدخل، فان كان المدخل جميلاً، رغب الناس في دخول هذهِ العمارة، ولكن الهدف الأساس والانتفاع الحقيقي بهذه البناية هي في الدخول اليها والستفادة من امكانياتها.
إن بركة هذا القرآن تكون في تلاوته وتدبره وتفهمه وتعقله والعمل بمبادئه وأحكامه.
فالقرآن حبل الله المتين، ودينه القويم، بركة القرآن لا تنتهي، فهو مبارك من كل وجه،
وعلى أي حال، فمجرد قراءته قربة الى الله سبحانه وتعالى ـ التي لا تكلف شيئاً ـ فيه الثواب العظيم.
و من بركاته أنه شفاء لأمراض القلوب، ولأمراض الأبدان، فالبركة فيه من كل وجه، من تدبره ورتله، وقرأه قربة لوجه ربه، هداه الله سواء السبيل، ومن يريد الإيمان التام والطمأنينة وانشراح الصدر فعليه بقراءة القرآن، ومن يريد النور التام في الدنيا والآخرة فعليه أن يتمسك بالقرآن.
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}   سورة الإسراء: 9.
{ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} سورة البقرة: 2.
خدام القرآن الكريم
ومن أعظم فضل الله تعالى وامتنانه على أي مجتمع وجود عشاق متفانون للعناية بكتاب الله تعالى فهمهم وشغلهم الشاغل تعليم كتاب الله تعالى وتدريسه.
إن أعظم رصيد لنا في حماية أمتنا وحصانة فكرنا وناشئتنا وحفظ ديننا وأخلاقنا وأمننا هو القرآن الكريم حفظاً وتدريساً وعملاً وتطبيقاً على هدي النبي (صلى الله عليه واله وسلم) واله الهداة الأبرار (عليهم السلام) الذين هم عدل الكتاب، فالقران الكريم هو البرهان الساطع والنور المبين والصراط المستقيم.
وأخيرا فمن مظاهر بركة القران الكريم:
1ـوجود القران حفظ لمن يحمله أو للمكان الذي يوضع فيه.
2ـ بركة وخير لحامله وأماكن وجوده.
3ـ خير وبركة لقارئه في الدنيا والآخرة.
4ـ خير وبركة لدارسه في الدنيا والآخرة.
4ـ خير وبركة لمعلم القران في الدنيا والآخرة.
5ـ هو شفاء لكثير من الأمراض والعلل.
6ـ خير وبركة عظيمة لأنه مصدر للأحكام الشرعية، والمعين الأساس لكل ما يحتاجه المسلم والمؤمن من الأخلاق والتربية، وكل ما يقربه إلى الله جل وعلا، فهو الدستور الكفيل بسعادة البشرية.
7ـ الطريق الحقيقي لاستلهام هذه البركة هو التدبر والتعمق في محاولة فهم الكنوز الحقيقية في هذا الكتاب الرباني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي ، ضبط وتصحيح : أحمد شمس الدين ، الطبعة الأولى 1994 م ، دار الكتب العلمية – بيروت.
(2)الصحاح للجوهري، ج4 ص1575.

 

الشيخ حميد البغدادي

المصدر : مؤسسة السبطين العالمية