كتمان السر وإفشاءه في القرآن الكريم

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ﴾1.
قصة الآية:
أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين بتجهيز أنفسهم لفتح مكة، وكانت هناك امرأة اسمها سارة، تتردد على مكة، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وكتب معها كتاباً إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير وكساها برداً على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة وكتب في الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة إن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم.
فخرجت سارة ونزل جبرائيل فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلمبما فعل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وعماراً وعمر والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مرثد وكانوا كلهم فرساناً وقال لهم:انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب

إلى المشركين فخذوه منها، فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان، فقالوا لها أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها من كتاب، فنحوها وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتاباً، فهموا بالرجوع، فقال علي عليه السلام: والله ما كذبنا ولا كذبنا، وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلا والله لأضربن عنقك. فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها، فرجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأرسل إلى حاطب فأتاه، فقال له: هل تعرف الكتاب؟ قال: نعم، قال: فما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته وكنت عريراً فيهم ( أي غريباً) وكان أهلي بين ظهرانيهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً. فصدقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعذره2.

 أهمية كتمان الس
لقد حثت التعاليم الإسلامية الإنسان على التحلّي ببعض الصفات الحسنة والعمل على أن تكون سلوكاً حياتياً لديه، لما في ذلك من صلاح حياته، ولما تعود به من نفع له في هذه الدنيا. ومن هذه الصفة الاستعانة على قضاء حوائجه والوصول إلى مآربه من خلال كتمان السر، وقد ورد في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان3.
ولكن لا يقتصر أمر كتمان السر على الأمور الشخصية الخاصّة بل إن ذلك يتناول أيضاً المسائل العامة التي ترتبط بالمجتمع وبالأمة التي يعيش فيها الإنسان.
ولذا سوف نتحدث عن كلا الأمرين
أولا: كتمان السر في الأمور العامة
إن من أخطر ما يقع به الإنسان أن يفضح أمراًً يتعلّق بالمجتمع الإسلامي كافةً،

 وذلك كما في أمور الحرب والقتال، أو في المصالح العامة التي ترتبط بالمسلمين من اقتصاد، ومال وتجارة وغير ذلك.

بل حتّى فيما يرتبط ببعض معارف الدين مما قد يقوم غير المؤمنين بالتشنيع على الإسلام فيه ورد الحث على الكتمان كما في بعض معارف أهل البيت عليهم السلام. فقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: كتمان سرنا جهاد في سبيل الله4. وعن الإمام الباقر عليه السلام: والله إن أحب أصحابي إلي أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا5.
وما يوقع الإنسان في هذا أحد أمرين:
1- فلتات اللسان (زلّة اللسان):
يعثر الإنسان في حديثه أحياناً فينطق لسانه بأمر يؤدي إلى أن يفضح أمراًً ينبغي ستره، فإذا كان ذلك الأمر مما يتعلق بمصالح المسلمين العامة كان الضرر أكبر، وقد ورد الحث على حفظ الإنسان للسانه، ففي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام: إن هذا اللسان مفتاح كل خير وشر، فينبغي للمؤمن أن يختم على لسانه كما يختم على ذهبه وفضته6.
وهذا ما يُطلق عليه الناس تسمية زلّة اللسان، فلا يكون المتكلم قاصداً لأن يفضح أمراًً من الأمور، ولكن هذه الزلّة تكون قاتلةً أحياناً ولذا ورد في الرواية عن الإمام علي عليه السلام: زلة اللسان أشد من جرح السنان7.
وفي رواية أخرى عنه عليه السلام يبيّن فيها الخطر العظيم لزلات اللسان: المرء يعثر برجله فيبرى، ويعثر بلسانه فيقطع رأسه، إحفظ لسانك فإنَّ الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، فان أطلقها صار أسيراً في وثاقها8.
 

والأمر يتجاوز مجرد ما يقع في الدنيا إلى المسؤولية والعقوبة في الآخرة ففي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام: يحشر العبد يوم القيامة وما ندى دماً فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك، فيقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا رب، إنك لتعلم أنك قبضتني وما سفكت دماً؟ فيقول: بلى، سمعت من فلان رواية كذا وكذا، فرويتها عليه، فنقلت حتى صارت إلى فلان الجبار فقتله عليها، وهذا سهمك من دمه9.

ويفسّر الإمام الصادق عليه السلام الآية الكريمة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾10 يقول: والله ما قتلوهم بأيديهم ولا ضربوهم بأسيافهم، ولكنهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فاخذوا عليها فقتلوا11.
2- المودّة مع أعداء الدين:
إنّ ممّا حذّر منه الإسلام بشدّة مما يُوقع الإنسان في إفشائه لسر يتعلّق بالمسلمين أن تكون له مودّة مع أحد من أعداء الدين، لمصالح تتعلق به وترتبط مع ذلك العدو الذي يكيد بالمسلمين، وهذا هو الذي وقع فيه حاطب بن أبي بلتعة. وتؤكد الآية الكريمة أن هذه المودّة لن تكون إلا من طرف واحد، وإلا فإنّ هؤلاء لن يظهروا لكم المودّة إطلاقاً.
عن الإمام علي عليه السلام: "إياك أن تحب أعداء الله، أو تصفي ودك لغير أولياء الله، فإن من أحب قوماً حشر معهم"12.
ثانيا: كتمان السر في الأمور الخاصّة
كما ينغي للمرء أن يسعى ليكتم سرّه في الأمور الخاصة، ويترتب على ذلك فوائد عديدة أشارت إليها الروايات:

أ- ان يملك الإنسان أمره:

فإذا نوى الإنسان أمراً وأبقاه سراً عند نفسه أمكن له أن يعدل في رأيه أو أن يسعى به دون أن يعيقه أحد، فعن الإمام علي عليه السلام: من كتم سره كانت الخيرة في يده13،وعنه عليه السلام: سرك أسيرك فإن أفشيته صرت أسيره14.

ب- أن ينجح الإنسان في أمره:
الحياة بطبعها ساحة للتنافس، يسعى كل إنسان لينال منها، ومن الطبيعي أن يغتنم كل فرصة تمر أمامه، فإذا كان أمامك فرصة تنال فيها خيراً فاستعن على الوصول إلى ذلك بالكتمان فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: أنجح الأمور ما أحاط به الكتمان15، وعن الإمام الجواد عليه السلام: إظهار الشيء قبل أن يستحكم مفسدة له16.
ج- الحذر من الخيانة:
إذا أودعت سرك عند غيرك قد يخونك فقد ورد في الرواية عن الإمام علي عليه السلام: انفرد بسرك ولا تودعه حازماً فيزل ولا جاهلاً فيخون17.

والخيانة قد تصدر حتّى من شخص صديق لك، ففي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: لا تطلع صديقك من سرك إلا على ما لو اطلعت عليه عدوك لم يضرك، فإن الصديق قد يكون عدواً يوماً ما18.

إفشاء السر: وإذاعته، وهو أعم من كشف العيب، إذ السر قد يكون عيباً وقد لا يكون بعيب، ولكن في إفشائه إيذاء وإهانة بحق الأصدقاء أو غيرهم من المسلمين، وهو من رذائل قوة الغضب إن كان منشأه العداوة، ومن رذائل قوة الشهوة إن كان منشأه تصور نفع مالي، أو مجرد اهتزاز النفس بذلك لخباثتها، وهو مذموم منهي عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت، فهي أمانة" وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "الحديث بينكم أمانة". وورد: "إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك". وقال عبد الله بن سنان للصادق عليه السلام: " عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال: نعم ! قلت: يعني سفلته؟ قال: ليس حيث تذهب، إنما هو إذاعة سره ".
كتمان السر: ضد إفشاء السر كتمانه، وهو من الأفعال المحمودة، وقد أمر به في الأخبار. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "طوبى لعبد نومة، عرفه الله ولم يعرفه الناس، أولئك مصابيح الهدى وينابيع العلم تتجلى عنهم كل فتنة مظلمة ليسوا بالمذاييع البذر، ولا الجفاة المرائين". وقال أمير المؤمنين عليه السلام: "قولوا الخير تعرفوا به، واعملوا الخير تكونوا من أهله، ولا تكونوا عجلاً مذاييع. فإن خياركم الذين إذا نظر إليهم ذكر الله، وشراركم المشاؤن بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، المبتغون للبراء المعايب"19.

إفشاء السر: وإذاعته، وهو أعم من كشف العيب، إذ السر قد يكون عيباً وقد لا يكون بعيب، ولكن في إفشائه إيذاء وإهانة بحق الأصدقاء أو غيرهم من المسلمين، وهو من رذائل قوة الغضب إن كان منشأه العداوة، ومن رذائل قوة الشهوة إن كان منشأه تصور نفع مالي، أو مجرد اهتزاز النفس بذلك لخباثتها، وهو مذموم منهي عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت، فهي أمانة" وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "الحديث بينكم أمانة". وورد: "إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك". وقال عبد الله بن سنان للصادق عليه السلام: " عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال: نعم ! قلت: يعني سفلته؟ قال: ليس حيث تذهب، إنما هو إذاعة سره ".
كتمان السر: ضد إفشاء السر كتمانه، وهو من الأفعال المحمودة، وقد أمر به في الأخبار. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "طوبى لعبد نومة، عرفه الله ولم يعرفه الناس، أولئك مصابيح الهدى وينابيع العلم تتجلى عنهم كل فتنة مظلمة ليسوا بالمذاييع البذر، ولا الجفاة المرائين". وقال أمير المؤمنين عليه السلام: "قولوا الخير تعرفوا به، واعملوا الخير تكونوا من أهله، ولا تكونوا عجلاً مذاييع. فإن خياركم الذين إذا نظر إليهم ذكر الله، وشراركم المشاؤن بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، المبتغون للبراء المعايب"19.

1- الممتحنة
2- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ج 18 ص 235-236.
3- ميزان الحكمة محمد الريشهري ج 1 ص 630.
4- بحار الأنوار العلامة المجلسي ج 72 ص 70.
5- الكافي الشيخ الكليني ج 2 ص 223.
6- بحار الأنوار العلامة المجلسي ج 75 ص 178.
7- ميزان الحكمة محمد الريشهري ج 4 ص 2779.
8- بحار الأنوار العلامة المجلسي ج 68 ص 293.
9- الكافي الشيخ الكليني ج 2 ص 370.
10- البقرة:61
11- الكافي الشيخ الكليني ج 2 ص 371.
12- ميزان الحكمة محمد الريشهري ج 1 ص 497.
13- نهج البلاغة- الإمام علي – الحكمة رقم 162.
14- ميزان الحكمة محمد الريشهري ج 2 ص 1282.
15- ميزان الحكمة محمد الريشهري ج 2 ص 1282.
16- بحار الأنوار العلامة المجلسي ج 72 ص 71.
17- شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ج 20 ص 327.
18- ميزان الحكمة محمد الريشهري ج 2 ص 1283.
19- ميزان الحكمة محمد الريشهري ج 2 ص 1283